bidaro com بيدارو كوم
أهلاً وسهلاً بكم في
منتديات بيدارو
مع اطيب الأوقات
للأخوة الراغبين بالتسجيل
يرجى الأطلاع على التعليمات
مع التقدير ،،
goweto_bilobed goweto_bilobed goweto_bilobed
,, أهلاً بأخي وصديقي الإنسان، من كان ومن أين ماكان ,,
goweto_bilobed goweto_bilobed goweto_bilobed

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
عبدالله النوفلي
المدير العام
المدير العام

حلم إنسان عجوز

في الجمعة 09 نوفمبر 2007, 5:50 am
حلم إنسان عجوز


إن شمس النهار عندما تميل نحو الغروب، تقل شدة أشعتها وتضمحل حرارتها وحتى ضياؤها يتغير لونه، وهذه ماهي إلا رمزا نستطيع ترجمة معانيه مع الإنسانية . وعمل الأيام والسنين على الإنسان الذي ينمو ويصعد تدريجيا نحو قمة العطاء وببطئ ليصل مرحلة يتوقف عندها لكي يبدأ بعدها مرحلة الانحدار حتى يصل إلى إنسانا عجوزا لا يقوى حتى على الوقوف على رجليه أو السيطرة على أصابع يديه ومنعها من الارتجاف، وقد يكون أيضا فمه خاليا من الأسنان الطبيعية وعيناه جاحظتان ضعيفتان ولا تساعداه لكي يُبصر ويتمعن في كل ما حواليه من أشخاص ومواد، إنها الشيخوخة، المرحلة التي يعجز فيها الإنسان عن ترجمة كلما موجود في ذهنه وإرادته إلى أفعال نتيجة ضعف في أجهزة جسمه البيولوجية وعدم استمرار خلاياه بالتجدد، إذن إنه أمام مرحلة صعبة فالقلب لم يشعر أن شيئا قد تبدل ويطمح للمزيد لكن الجسم لا يجاريه، وضعفت عنده مجالات الحركة كافة وعليه الاستسلام للواقع الجديدوالاعتراف بأنه أصبح كهلا ورغم كل ما يملأ عقله من خبرة الأيام التي اكتسبها من خلال مسيرة حياته، فإنه يجد نفسه عاجزا عن الاستمرارية ولم يبقى له سوى لسانه الذي ينشر هذه الخبرة للآخرين ولكن أيضا المشكلة بالسامعين ونوعياتهم؛ فمنهم من يعتبره عقلية قديمة، ومنهم من يحسبه يهذي لا فائدة من أضاعة الوقت بالاستماع إليه، ومنهم من يمعن في الانصات لكي يستخلص المعاني والعبر ولكي يستفاد من تجارب هذا الانسان، وليدفع مسيرته هو نحو الأمام خاصة عندما يفكك رموز الحياة ويضع الحلول لألغازها ولا يتوقف في المحطات التي توقف هذا الكهل فيها، وبالتالي تستفاد الإنسانية من تجربة هذا الإنسان وتتقدم خطوة إلى امام.

وعجوزنا اليوم خبر الحياة ورأى وعايش الكثير من الأحداث إنه الموسوعة المصغرة التي دونت أحداث حقبة مهمة من السنين على ذاكرته وعاش حلو الأيام ومرها، صادف مصاعب ومرت به سعادات كثيرة، عندما يستعرض كل هذه السنين يكون كمن يحلم لحظات من الزمن لكنه يسترجع سنوات وسنوات كفلم يروي قصة حياته كاملة ... هكذا هي ذاكرته لما مرَّ به من احداث، منها في طفولته أو شبابه أو عندما أصبح رجلا أو حتى الأيام القريبة عندما أصبح عجوزا لا يقوى الخروج واستقصاء كنه ما يحدث هنا وهناك، لكن المهم هذا الشريط من الذكريات ومدى استفادته منها إيجابيا وتربيته لأولاده الذين أصبحو اليوم رجالا لهم أيضا أولاد وأصبح العجوز مربيا لهم ومراقبا ومرشدا بل معينا لمن تنقصه الخبرة والدراية بصعوبات الحياة وأحيانا منقذا من الصعوبات خاصة عندما تشتد على أولاده وأحفاده لأنه خزين مملوء من كل شيء وتجد عنده جوابا لكل شيء.

إذا أصبح الملجأ للشباب والرجال وكذلك للنساء في أمور الحياة يسألونه عن الماضي وعن الكيفية التي قادته الأيام لما هو عليه اليوم ويلحون عليه لكي يدون خبراته وما مرَّ به من معاناة بأشكال وأنواع مختلفة سواء في الفرح أم في الحزن، لكنه لم يكن يشعر يوما باليأس من هذه الحياة ولم يكن ليبخل بالمشورة لمن يطلبها، فهو الذي كان جبارا قويا ذا بنية مرصوصة مليئة بالعضلات والحيوية، هذا نفسه أصبح اليوم هزيلا ضعيفا يرتجف كل أعضاء جسمه حتى عيونه أصبحت لا تميز ما يمر أمامها من أشخاص وأشباح لأنها أصبحت تنظر لكل ما يمرّ من امامها كونه أشباحا متشابهة، وما يعينه على التمييز هو سماع صوت الشخص لتقوم ذاكرته الحية بتحديد الإنسان من صوته رغم أن سمعه أيضا أصبح ضعيفا.

وأيقن انه قد وصل إلى مرحلة صعبة من العمر لم يشهد مثلها من قبل رغم كل ما عاشه من حروب وأشباه حروب، وضيقات واضطهادات وتعسف وانتقال من مكان إلى آخر بسبب ظروف خارجة عن إرادته، لكنه كان يتغلب على كل هذه المشاق بالصبر والجهد والعمل، لكن اليوم ورغم قسوة الحياة التي وصل إليها نتيجة تقادم العمر لكن ما في هذه الحياة من صعوبات تزيد صعوبته صعوبات أخرى جمة، فهو يسمع ويراقب ما يحدث في الشارع والمنطقة والعراق ككل، القتل... التفجيرات... الدمار... والمفخخات في كل مكان... فهناك الحروب والمحاربات، هناك المقاومة والعصابات، هناك الظالمين والضحايا بالجملة، إنها أيام عصيبة لم يشهد عمره الطويل كل هذا البكاء والعويل، فالأمهات الثكلى ينتحبن على اولادهن وعلى أواجهن كما يبكين على أنفسهن لما يحصل لهن في كل لحظة وأوان، فطوال عمره لم يكن ليميز بين جاره اليمين أو جاره الشمال، ولم يكن ليسأله عن مذهبه أو طائفته، بل كان يعتبره جزءا من عائلته؛ يلعب أولاده مع أولادهم، يفرحون ويمرحون معا، كما يشاركون حزن أحدهم الآخر، كما أن الاسم لم يكن يعني له شيئا إن كان عمرأ أو علي، بطرس أو لؤي، جميع الأسماء كانت محبوبة لديه. كما لم يكن يشك بأن هذا أو ذاك ليس من هذا البلد أو لا يحب العراق، بل كان الجميع يتسابقون لرفع الراية، كما كانوا يتسابقون في تقدم الولاء والأخلاص لبلدهم، وحتى في مباريات الكرة كان اسم العراق هو الأهم وكان الجميع ينطلقون فرحين متهللين عندما كان فريق العراق متقدما في المباريات. كما أنه كان يرحب بالأجانب في بلده ويعتبرهم ضيوفا يجب أكرامهم خاصة وهم قادمون إما للسياحة وإما للعمل، وفي كلتا الحالتين فوجودهم هو محل ترحيب وواجب الضيافة لهم كان محترما ويتم الالتزام به.

لكنه فكر في كل هذا وهو اليوم يشاهد النقيض تماما لكل مسيرة حياته؛ يمارس ويعيش على أرض الواقع!! ما السبب ولماذا؟ أصبح يتساءل دون أن يصل إلى الجواب، كما انه يبدو عاجزا عن تقديم العون في اتجاه تصحيح الخلل!! يا للهول، وما أكبر المصيبة التي نمر بها قال مع نفسه، وكيف لنا ان نتجاوز المحنة؟ فقد بدأ يسمع من يتكلم عن هذا الجار او ذاك ويميزه كونه من غير طائفة أو من مذهب مغاير!!! ويضع حواجز أمام الاختلاط معه أو الوفاء إليه!!! أصبح الاسم يعني له الكثير، فكثيرا ما يطرق سمعه أن فلانا قتل لكون اسمه يدل على طائفة معينة دون أخرى، إنه العجب العجاب... قال مع نفسه متسائلا عن سبب أزهاق أرواح آمنة مطمئنة دون سبب معروف ومن هو المستفيد من حالة الفوضى هذه كلها!!!!؟

أراد أن تساعده خبرته لإيجاد الحل، فقال مع نفسه بكل تأكيد أن الأجنبي ووجوده كمحتل هو السبب ورأس كل المشاكل والمصائب، وأن ما يجري والذي أربك حسابات المجتمعات التي لم تكن يوما في الحال الذي وصلت إليه، كما أدرك أن المحتل ليس وحده السبب في استمرار المأساة بل هناك دولاً أخرى من الجوار العراقي يهمها بقاء الحال لما هو عليه ويغلي ويبقى الأجنبي مهموما ومنشغلا في أرض الرافدين، ولا يهدأ أو يصفى باله كي لا يلتفت إلى دولا أخرى لتنفيذ مخططاته الرهيبة، كما لم يغب عن باله الصهيونية ومنفعتها في تقسيم دول المنطقة إلى دول صغيرة وكيانات هزيلة لا تقوى على إلحاق الأذية بإسرائيل بل تبقى هذه الأخيرة هي الأقوى لكي تسيطر وتنشط وتنفذ ما يحلو لها من أحلام تاريخية أو مصطنعة!!!

فكر في كل هذا ليجد أن المخطط رهيب والمنفذون عديدون والضحايا هم أبناء العراق، الدماء النازفة هي دائما عراقية، والخسائر هي أيضا عراقية... وربط في ذهنه عندما اجتمعت أكثر من ثلاثين دولة لمحاربة العراق بحجة تحرير الكويت رغم حسب الفعل الذي قام به العراقعام 1990 بما يحدث اليوم حيث اجتمع العالم كله ليشعل حربا على أرض العراق، وكأن العالم أجمع أخذ يعاقب العراق وشعبه لفعل لم يرتكبه الشعب بل من كان يتحكم مقاليد الحكم في العراق، وهذا شأن كل دول العالم وحتى من تدّعي بالديمقراطية لا يستطيع شعبها تغيير قرارات حكامها وتكون الضحايا دائما هي الشعوب وليس الحكام، فها هي ضحايا الجيش الأمريكي من الشعب الأمريكي، ولا يوجد بينهم من هو في الحكم أو في القيادة. فأصبح متيقنا بأن المأساة كبيرة جدا على جسده المنهك ويداه اللتان ترتجفان ووضعه الذي لا يُحسد عليه، فمن شدة المأساة غاب عن العالم في أغفاءة قلقة لأن عظامه تتألم من النوم والتمدد على السرير فجسمه أصبح كومة من العظام يكسوها قليل من الجلد واللحم، وأغفاءته لم تقده إلى أفكار جديدة يحلم بها في عالم اللا وعي ويتمتع فلحظات من الوضع الأحسن من الواقع المتردي الذي مازال يرشح عنه الألم والظلم كما يرشح من نومه القلق الذي لا يوحي بقدوم راحة بالٍ أو جسمٍ.

فاستعاذ بالله من الشرير متضرعا له أن ينير ولو بصيص أمل لجيل اليوم حتى يبقى الأمل مستمرا ويكون هناك من ينتظر الغد الأفضل.
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى