مَن مِن هؤلاء جسَّد المآسي الإنسانية أكثر ، هل هو الرسام بيكاسو في لوحته " الجرنيكا " أم بولص بيداري (1) في قصيدته " مجزرة سيميل"(2) ، ام مناحة ليدا لاوندو في مرثاة لشهداء سيميل ؟ ...
في تلك الأمسية الاحتفالية لإحياء ذكرى الشهداء في قرية تل حفيان . صدحت أنغام شجية ، حزينة ، عزفتها أوتار حنجرة مخملية لمغنية [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
يعطِّرك صوتها بالدفء و البهجة ، و إن شاءت تدمي قلبك ... في تلك الليلة كنا أحوج ما نكون إلى البكاء و النحيب ، و نحن نستذكر قتلانا في آخر نكبتنا ، فتمكنت من إحياء مشهد المأساة بنبرات ألحانها التعبيرية ، و حركات جسدها الإيحائية . فبعثت شهداءنا إلى الحياة ، و نحرتهم من جديد ، فأبكت قلوبنا ، و أدمعت أعيننا .
علمت بأن القصيدة المغناة هي للسيد الفاضل بولص بيداري ، تلك الشخصية النادرة ، النابضة بالحياة ، و المتعددة المواهب . فهو الشاعر و اللغوي .. و المتمرد الثائر .. و رجل الدين القومي ، يتراءى لي – كما يشاع عنه – أنه قدم من كوكب آخر ، و لا تسعه الأرض ، و لا يطيق قانون الجاذبية ، و رتابة الزمن ، و تتالي الليل و النهار ، و يخيل إلي أن الله عندما خلق الإنسان ، أراد أن يكون على شاكلة هذا الرجل . راودني ارتياب ، و أنا أقرأ القصيدة مجددا ً ، فكأن الشاعر يرسم بالكلمات ، المشاهد المأساوية لرائعة بيكاسو " مجزرة الجرنيكا "؛ و الجرنيكا هذه بلدة اسبانية قصفها الطيران الألماني أثناء الحرب الأهلية الاسبانية /1937 / . و قد أصبحت اللوحة الشغل الشاغل للنخب الفنية و الأدبية و الفكرية و أصبحت موضوعا ً دسما ً للكثير من المؤلفات و الدراسات . و قد شخَّص فيها الفنان العبقري ، بحسه المرهف و وجدانه ، بشاعة قتل الإنسان لأخيه الإنسان منذ قابيل ، و اعتبرت إدانة للحرب و العدوان في كل زمان و مكان .
ظننت أن بيداري قد اطلع على اللوحة ، قبل أن يكتب قصيدته . و لكن شكوكي تلاشت بعد أن تعرفت على تاريخ إنجاز اللوحة ، و قد تلا كتابة القصيدة عدة سنين .
كنت قد اطلعت على نسخة من لوحة الجرنيكا و حفظت تفاصيلها و رموزها ، و قد قرأت القصيدة بتأن و بقصد المقارنة . و لأتأكد من قدرات بولص بيداري و قد جاءت المقارنة لصالحه ، و ذلك لا يقلل من عظمة و عبقرية بيكاسو ، كأفضل فنان عرفه القرن العشرين و ربما سيدوم لقرون أخرى ، ففي بلدة الجرنيكا الاسبانية ، قتل الناس قصفاً بالطيران ، و قد دامت العملية عدة ساعات ، و انتهت المـأساة بتدمير البلدة ، و قد أصبح أمرا ً عاديا ً في حروب القرن ، و يوميا ً في الحرب العالمية الثانية . و القاتل هنا يكبس زرا ً و يرحل دون أن يتقابل أو يتبادل النظرات مع الضحية . أما في سيميل فقد جرى القتل نحرا ً و تقطيعا ً للأوصال ، بالخنجر أو بالطلق الناري ، فتجرجر الضحية من وسط ذويها و تذبح على مرأى منهم ، ينحر الأخ و لا يجدي عويل أخته . يستخلص الوليد من بين ذراعي أمه ، و تخفي لعلعة الرصاص حدة صراخها .. يقتل الزوج و الحبيب و الأخ و الابن ، و لا حول لذويهم ، و لا أمل حتى بالفرار ، فقد أحاط بهم المسلحون كالجدار .
إن نظرة اللامبالاة في عيني وحش بيكاسو، و التي ترمز للبرود السيبيري في قلب القاتل ، لا تقارن بهمجية الصحراوي و هو يستل خنجره ، و يدسه في الجسد البض و ترتطم الأحشاء بالأرض المحمرة بدماء المذبوحين ، و تتحول الساحة إلى مسلخ كأنه أعد لسلخ النعاج . هنا في سيميل ، القاتل و المقتول وجها ً لوجه .. هنا البربري يستمتع بمشهد الضحية و هي تتلوى في دمائها ، و يبتسم حين تخمد حركتها ، و ينتشي بالنصر لمغادرة الروح جسدها ، و يعتز بسرعته الفائقة في زهق الحياة .
القتل بالقنابل و المدافع موت رحيم ، و هو كالتدمير الذي تحدثه الزلازل و النكبات الطبيعية ، لكن أن يلتحم الخصوم و تبقر البطون و تجحظ الأعين ، و يرتفع الصراخ و العويل ، و تشتم رائحة الدم ، فتلك أقصى الهمجية ، و عار الإنسانية ، و لطخة سوداء ، و وشما ً لعقائد الإنسان .
من ينقذ الإنسان من نفسه ؟ .. متى يكف الإنسان عن نحر ذاته ؟
(1) الأب بولص بيداري (1890-1974) : ولد في قرية بيداري القريبة من زاخو. في عام 1900 دخل معهد ماريوضا الحبيب في الموصل وقضى فيه احد عشر عاماً. عمل معلما للغة الآشورية في المعهد الكهنوتي 1923. توفي 1974/9/7.
(2) لقراءة القصيدة كاملة باللغة الآشورية، إنقر على الوصلة التالية: